محمد أبو زهرة

1350

زهرة التفاسير

وقد بين سبحانه حالهم في ذلك اليوم فقال : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ . والتعبير عن الحق بالبياض ، وعن الباطل بالسواد ، مجاز عربى مشهور ، كوصف الحق بأنه نور ، ووصف الباطل بأنه ظلام ، ووصف الوجوه بالبياض مجاز عن إشراق القلوب بالمعرفة ، وامتلائها بالنور ؛ ووصف الوجوه بالسواد مجاز من إظلام القلوب ، وانطفاء نورها ، ولقد قال الزمخشري في تحقيق هذا المعنى اللغوي : ( البياض من النور ، والسواد من الظلمة ، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته ، وأشرقت ، وسعى النور بين يديه وبيمينه ، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده ، واسودت صحيفته وأظلمت ، وأحاطت به الظلمة من كل جانب . نعوذ باللّه وبسعة رحمته من ظلمة الباطل وأهله » . ثم بين سبحانه حال الذين اسودت وجوههم وعقابهم بقوله تعالت كلماته : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . هذا تفصيل لما أشار إليه الإجمال ، وفيه بيان العقوبة وسببها ، وقوله تعالى : أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ بيان لحالهم ، أي أن حالهم حال من يستفهم عنها استفهام إنكار وتعجب فيقال لهم : أكفرتم وجحدتم الحق وأنكرتموه بعد إيمانكم به وإذعانكم ، وهذا حقا موضع عجب ، كمن يكون في روضة من الرياض فيها النعيم ، ويتركها إلى الكفر والجحيم ، فهم كانوا في روضة الإيمان ، وبتفرق أهوائهم وتنازعهم وعصبيتهم انتقلوا إلى جحيم الكفر ، وإذا كانوا كذلك فكفرهم كان كفرا عن علم بالحق وهم لذلك ليسوا معذورين ، ولذا ترتب عليه العقاب فقال : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي فأدخلوا جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه كما ذقتم حلاوة الهوى ، وكان ذلك العذاب بسبب استمراركم على الكفر ، وموتكم عليه ، ودل على الاستمرار التعبير ب كُنْتُمْ ، فإن ( كان ) تدل على الاستمرار ، وقد استمروا على حال الكفر في أقبح صوره ، وهو الكفر بعد الإيمان ، وبعد هذا بين حال الذين ابيضت وجوههم فقال :